الحكيم لـ " مصر الآن " الدستور حظر على عضو مجلس النواب إبرام أي تعاقدات مع الدولة
قال الفقيه الدستوري الدكتور نزيه الحكيم في تصريح لـ " مصر الآن "إنه ليس أخطر على الدساتير من انتهاكها باسم الأعراف، ولا أبلغ في هدم دولة القانون من تحويل النصوص الآمرة إلى مجرد توصيات أخلاقية فالحظر الدستوري إذا فُرغ من مضمونه العملي، لم يعد حظرًا، بل أصبح واجهة شكلية تُدار من خلفها المصالح.
لقد جاء نص المادة (103) من الدستور المصري قاطعًا، صريحًا، لا يحتمل التأويل ولا يقبل الالتفاف، حين حظر على عضو مجلس النواب، طوال مدة عضويته، إبرام أي صورة من صور التعاقد مع الدولة، سواء كانت توريدًا أو مقاولة أو التزامًا أو غير ذلك من العقود.
وأضاف الحكيم أن هذا هو حظرٌ موضوعيٌّ مرتبط بالصفة النيابية ذاتها، لا يتوقف على سوء نية، ولا يُشترط لقيامه تحقق نفع أو وقوع ضرر.
فالعبرة، في منطق الدستور، ليست بالفعل المجرَّم وحده، بل بتعارض الموقع النيابي مع المصالح الخاصة، حمايةً لنزاهة الوظيفة العامة، وصونًا لمبدأ الفصل بين السلطات، ومنعًا لاختلاط سلطة التشريع بمنافع السلطة التنفيذية.
وأوضح أن الواقع العملي كشف عن ظاهرة أخطر من المخالفة الصريحة، وهي التحايل المقنّع. إذ تُبرم التعاقدات أحيانًا لا باسم النائب مباشرة، بل عبر دوائر قريبة منه: شركة يملكها، أو كيان يسيطر عليه، أو قريب يُستخدم كواجهة شكلية، في محاولة لتجريد النص الدستوري من جوهره مع الحفاظ على شكله.
وهنا يجب التأكيد على حقيقة قانونية بالغة الدقة:
الدستور لم ينص صراحة على حظر يشمل الأقارب حتى الدرجة الرابعة، غير أن هذا الصمت لا يعني الإباحة المطلقة، ولا يفتح باب التحلل من الحظر. فالقضاء المستقر، والفقه الدستوري الرصين، استقرا على مبدأ جوهري مفاده أن ما لا يجوز فعله مباشرة لا يجوز التحايل عليه بطريق غير مباشر.
وعليه، فإن تعاقد قريب نائب مع الدولة لا يُعد بذاته مخالفة دستورية، إلا إذا ثبت أن هذا القريب ليس سوى واجهة صورية، وأن النائب هو المستفيد الحقيقي، أو المدير الفعلي، أو صاحب السيطرة الاقتصادية. عندها لا نكون أمام عقد صحيح، بل أمام مخالفة دستورية جسيمة يترتب عليها بطلان العقد، ومساءلة النائب، وإمكانية إسقاط عضويته.
وأختتمبالقول إن أخطر ما يهدد النصوص الدستورية ليس إنكارها، بل تطبيع مخالفتها، وتحويل الاستثناء إلى قاعدة، والتحايل إلى ممارسة مقبولة. فالدستور لا يحمي نفسه بنفسه، وإنما تحميه إرادة تطبيقه، وجرأة إنفاذه، واستعداد مؤسسات الدولة لتقديم سيادة القانون على منافع اللحظة.
ولذلك، فإن إعادة الاعتبار للحظر الدستوري ليست مسألة قانونية فحسب، بل مسألة وجودية لدولة تدّعي احترام الدستور. فإما أن يكون عضو البرلمان مشرّعًا ورقيبًا باسم الشعب، أو متعاقدًا باسم المصلحة الخاصة، والجمع بينهما يهدم الاثنين معًا.

-12.jpg)



